في ثنايا الإنسانية!

بقلم: مالك يوسف منذر - بكين

الإنسانية مفتاح اليقين وبيرق الدنيا والنية والدين، نظرة شمولية لحياة الناس بكافة طقوسها وبناء جسور الأخلاق الموصولة بين كل الأديان والزمر والطوائف، وإعادة الكرامة المسلوبة من بين أسنان الرضع، تلك إبرة البوصلة التي تحاكي الحواس والنابعة من قلب الإيمان، وهي دعوة الوحي للأخلاق برسائل المحبة والسلام، ففعل الخير هو عمل إنساني ومساعدة الناس إنسانية، والعمل على تهذيب الأخلاق وتعليمه للآخرين من روتينات الأعمال الخيرية، ومن أساس طبيعتنا الكونية الخالية من شوائب المسؤولية والملتصقة بالحالة الاجتماعية للمجتمعات الواعية فكريا وأخلاقيا.

منذ نشأتنا على مراقد هذه الأرض ونحن نتعلم ونتلقن من علوم يجهلها الفقهاء ويحمل تعبها الفقراء، حتى الكلمات في المعاجم تتنفس ونحن منزوون تحت جدار الظلم والأنانية، نعلم أن الباري موجود وطريق الذل مسدود وما زال هناك عابد ومعبود، قوارض وأسود، وليد وولود، ولكن الرهبة تقتلنا وتطعن الحس الأخلاقي في داخلنا والحس الإنساني بأعماقنا، وتصوب سهم البغض في أعناقنا، فنشأة الطبيعة ترتكز على قواعد إلهية ودساتير ربانية فكيف لنا أن ننسى أنفسنا وأن نتلعثم بغبار الكون ومجرات السماء؟…

هل من دين يعلّم كل شيء وينسى الأخلاق؟ هل من ملة تجهض السعادة في نفوس أبنائها؟

كل الأديان نشأت على احترام بعضها البعض كاحترام الصفحات للكتابة واحترام السطور للأرقام والأحرف، فالفقير لا يموت جوعا حقيقيا بل قهرا وظلما، لأن الفقر الحقيقي هو فقر الفكر وتعفن الثقافة والتشرد الذهني… أين نحن من هذا البعبع الذي سيأكلنا بزمن قد يأكل الأخ أخاه، والسعيد يتربع بين أغصان الفرح، والتعيس متربع ومتمسك بمظلة القيامة، ذلك خلق الله في رعيته… سقطت تفاحة من شجرة مثمرة جليسها إنسان، فأدرك العالم قانون الجاذبية الأرضية بالحكمة، وسقطت آلاف الجثث والقتلى ولم يحرك أحد ساكنا ولم يدرك العالم معنى الإنسانية، ولم يبالي أحد بقيم وأخلاق الشعوب الضعيفة، لأن الكثير على قيد الحياة، والقليل منهم على قيد الإنسانية، والكثير منا لا يبتعد كرها، بل ألما يعصر القلوب، والعديد لا يتغير عبثا بل قهرا!

أين إنسانيتنا ونحن يقتل بعضنا بعضا من الوريد إلى الوريد ومن المحيط إلى الخليج!، والكثير في هذا العالم يرمون النعمة في سلة مخلفات الكون لأنه زاد عن الحاجة، بينما هناك من يلتحف السماء غطاءً ويتضور جوعا ويموت بردا في زمن النهضة الشاملة والخير الوفير!

zaher

مؤسف ألا تجد أحدا يساندك في محنتك وامتعاضك يجفف رذاذ الماء في مناخ التصحر، ويقصم الأفكار بعقلية البيان دون الإدراك للعقل والبرهان، ودون الحصول على الإقناع بدل الإخضاع وحلول التهريج مكان الاستنتاج والاستدلال، وتبديل الإعجاز بالإنجاز، فكيف نعالج المرض ونحن لا نعلم تشخيصه؟ وهل من أمة قابعة بخيال الظلم أن ترسم مستقبل الأمل بدواوين المحابر؟ وأن تطعم الجائع من مخابز الحياة؟

الإنسانية دين الحياة وهدية الخالق ومسبار المستقبل، وهي مفهوم يصعب تحديد ملامحه عند البعض، ويصعب الوصول إليه بقطار الوهم وتخطي حدوده بدقة، وهي مفهوم لا نهائي ترسمه قلوب الموحدين بأناملهم، وتبصره عيون الأفئدة بنواظرها، وتتحسسها الحواس بالمشاعر الرزينة، وتأتي ممحاة التسلط لتقصم جذرها، وتقتل برعم البركة في بذرتها، ولا يخفى جليّا أن إيديولوجية الإنسان العلمية بتبنيها للعدالة والسببية ترفض الأفكار المندسة الخارقة الحارقة وتشعل النظرة الدينية كأساس يقوم على الأخلاق وتقرير المصير باتخاذ القرار… فالإنسان كائن شديد التعقيد بتفكيره ومشاعره التي لا تعرف الحدود، والدليل أنه يستحيل لأي شخص أن يفهم أو يحيط بشخصيات ونفسيات كل من حوله، حتى الإنسان نفسه لا يمكن أن يصل إلى أعماق ذاته، فالنية سابقة العمل، فمهما عرفنا سيبقى الكثير مما هو غامض، وحتى حين يظن أنه يعرف كل ما بداخله فهو في الحقيقة جاهل بكثير مما في نفسه، وجاهل لكفاءته وقيمه ومبادئه، فتبقى وجهات النظر الأخلاقية بعيدة عن حواجز الحقيقة والعقلانية والتجربة، لأننا كلما زدنا علماً أدركنا جهالتنا، فالإنسانية هي مدرسة للأخلاق والنعمة وجامعة الناس الأوفياء ذوي الضمائر الحية والتفكير المنير لمحبة البشر.

الإنسان قادر على احتواء مشاعر الحب لغيره، قادر على تفهم غيره والإحساس بهم، كما أنه قادر على احتواء نقيض هذه المشاعر التي يختلف ظهورها من شخص لآخر، إلا أن مشاعره هذه هي أكبر مما يميزه كإنسان، إحساسنا من الصغر كالمرهق من ركض السنين، وكالسفينة التي ترسو بمياه الصحراء، والابتسامة المختفية خلف تجاعيد الأيام، حياة لا تطاق برؤية طفل معاقب ومعاق تبناه الزقاق وحمله البهاق للفراق، إن إنسانيتك هي بندقيتك التي تساعدك على اجتياز حواجز الصراع ودموع الأوجاع، فكن كتاب أمل يخطه اليراع، فنصف جمال الإنسان في لسانه، وإنسانيته هي إثبات عنوانه وديانته وإيمانه، ولا تريد حجابا ولا ترجمانا محلفا، فالإنسانية هي حبو الإنسان إلى النية الصافية الشافية، وهي تقبل النقد والنقد الذاتي للسلوكيات والتصرفات.

دائما نندد ونشجب عدم إنسانية المستعمرين التي سمعنا بها وخطتها أقلام التاريخ على صفحاته، ونحن بحاجة لمن يمسح الدمعة عن نوافير أعيننا التي غطتها عتمة الليل، بينما استغلالنا واستعمارنا لبعضنا أشد فتكا من كل أنواع الأسلحة التي لا تعرف دينا ولا أخلاقا… مرجعنا واحد ولكننا انحرفنا عن أزقة الوفاء، وهوينا عن الإخلاص وتجردنا من ثوب الإيمان لنلتف بزي الملحدين الخائفين، وعكسنا لمن حولنا صورة عن دين بلا أخلاق وأشخاص بلا كرامة، إنسانيتنا أصبحت مجرد دوائر سوداء، وكلمات مكركبة تلوكها الألسن، واحاسيس غربلتها مصافي المطاحن ووقودا لبارود المتعصبين، ماتت الإنسانية في حواصل الزوايا ودفنت مع الضمير الموروث، ذاك الضمير الذي أصيب بالعمى الإرادي، لم نعد نفهم معنى السلالم السمائية، ولن نعي أدراج الكون والمحبة العفوية التي تهفو لها الأرواح المهاجرة… فما فائدة التجوال والترحال في العالم إن كان البؤس يتعربش على مخيلاتنا وأعمارنا؟!

إن التعصب بكافة أشكاله ليس تعصبا للخير والفضيلة، ولا صلة له بالدفاع عن الإنسان والإنسانية، وإنما هو تعصب يتغذى من ثقافة نبذ الآخر المختلف، ووليد نرجسية الأنا الفوقية، ولا يتمتع بالسعادة سوى صاحب النية العسلية ومرتاح الضمير، فلماذا نغتال جمال الحياة بتفكيرنا المتعصب؟! إننا لسنا بحاجة إلى قواميس دينية ودساتير سياسية لنكون أخلاقيين، ولسنا بحاجة إلى مؤسسات ديمقراطية ما دامت هناك نية صافية مصروفة ببنوك الاحترام ونبذ العنف… نحتاج إلى عمليات تجميل في دواخلنا وتليين في قلوبنا وتكبيرها، وإلى إزالة وشم الحقد بإبر الإخلاص، ونزع فتيل الطائفية بحكمة الله والتآخي في أعمالنا والاتسام بالمحبة في أقوالنا واستئصال هرمونات الشر من أنفسنا، وتبويب الضمائر في فهرسيات الحياة الحية، ولكن للأسف ما زلنا نمشي في حلم بالرغم من أننا مستيقظين تماما، فما نحن في الواقع سوى أشباح الأزمنة الغابرة، فالقلوب التي تهجر المحبة تصبح جثثا باردة لا نبض فيها، وروحا يسكنها الصقيع المخيف المظلم، تتحرك على قيد العيش وتفتقد الحياة.

big-bite

الإنسانية غصن زيتون غذاؤه الأخلاق الحميدة ومحبة الله لرعيته، رحمة بلا حدود، ورغيف خبز يعتلي الحاسد والمحسود، وشعور بألم الآخرين ونشر للخير والطمأنينة والسلام، لأن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل.

إذاً افتح مقلتيك ونواظرك للهواء الطلق، واستأنف رحلة المواعيد على الطرقات المعبدة، ولا تستبعد النور الإلهي من برنامج حياتك اليومي، لكي لا تضل عن الدرب الصحيح والمستقبل الواعد، ولا تهرب في أزقة الظلام فلا تعرف سراب خيالك من شخصيتك المفعمة بالطيوب، نحن في زمن لو قيل للحجر كن إنسانا لقال عذراً لست قاسياً بما يكفي، فللسكوت أحياناً ضجيج يطحن عظام الصمت، ويأسر الدموع في المقل، فلماذا نرى البشر ولا نرى الإنسانية؟… فارتدي إنسانيتك الطليقة وتعمق في مصطلحات الحياة واجتماعياتها، فالإنسان بلا إنسانية كالدولة بلا هوية.