‏الحب.. بين الفضيلة والخطيئة

 بقلم: أ. أحمد رباح … كاتب وباحث ومستشار أسري
حرفان اثنان لا ثالث لهما؛ اجتمعا لتتكون منهما كلمة صغيرة؛ أسرت قلوب الكثير، وقادت خلفها الغافل والخبير، استحوذت على القلوب... فأعمت أبصارها حيناً، وأحيَت مَواتها حيناً، ثم تركتها إما جنة خضراء، وإما خرِبَة نكراء، تُسحَق في ظلمات الندم.

كلمة كمَثل بحر ليس له ساحل، أو بئر ذي غيابات لا قاع له ولا قرار… تتبَّعها بعضهم فلم ينتهوا بها كما بدؤوا؛ بل سلكت بهم مسالك خطيرة وأوردتهم مزالق عسيرة، في حين كانت معراجاً لغيرهم ارتقوا بها وارتقت بهم.

إنه (الحب)، وماذا أقول عن الحب… فضيلة وخطيئة!

فضيلة حين يرقى فيكون: حباً لله، وحباً لرسول الله، وحباً لأخ أو أخت أوصديق، وحباً لزوج كريم أو لزوجة كريمة، وحباً للوالدين، وحباً للأولاد…

لكن الحب خطيئة عندما يكون أسّاً للخطأ وأساساً، وبذرة تثمر الفاحشة والتعدي والظلم.

الحب.. ستار عظيم، جميل وخيم، لطالما غطى الحلو والمر، والحسن والقبيح، واستترت به الأقذار لتخدع الأخيار، فاشتملت على آهات وزفرات، وويلات وحسرات، ودموع وعبرات، ونُحرت تحت ظله الفضيلة وانتصرت الرذيلة، وضاعت القيم، ووئد العفاف، واغتيلت الكرامة.

فإذا ما أردنا معرفة الحب الحقيقي الذي يُستَودع بين الذَّكر والأنثى فلنعلم أنه الذي يكون بين الزوجين بعد الارتباط الصحيح، لأنه يسمو في السماء والأرض، عند الله والناس، ولا تشوبه شوائب الحرام ولا تعكر صفوه الشبهات، ولا يصطدم مع أعراف المجتمع السليم، ويثبت شامخاً أمام عقبات الحياة وتغيرات الظروف.

وهو حبٌّ يظهر معلناً إذ يتخفى غيره، يرقص لأجله الأصحاب، وينشد لأجله الأحباب، في حين يصمت ما سواه.

وهو حبٌّ يزيد الفتاة فضلاً، والشاب رفعةً، في حين يَخجل بغيره صاحبُه، ويقصيه عن معالي الرتب، ويَكثُر مُعاتِبه.

وهو حبٌّ يؤجَر صاحبه على ما يترتب عليه من سلوك، فيثاب في اللقمة يرفعها، وفي النظرة ينظرها، وفي الكلمة الطيبة يقولها، وحتى في الشهوة يقضيها، ويُتلقى كل ذلك منه بصدر رحب، ويُفهم منه على حقيقته، فيزيد الودَّ وداً، والصفوَ صفواً… في حين يوزر غيره مما يترتب عليه من نظرٍ حرامٍ، وكلامٍ حرامٍ، وخلوةٍ محرمةٍ، ويُتلقى ذلك منه بسوء ظنٍّ وخشية افتراس، وحذر من سوء خواطر النفس…

وهو حبٌّ يفتح لصاحبه أبواب ممارسته، فيكرم زوجته وتكرمه، ويخدمها وتخدمه، ويلاطفها وتلاطفه، ويؤانسها وتؤانسه، يقضيان ليلهما ونهارهما منعمين بما رزقهما الله من الحب، في حين يتلوى غيرهما من الجوى ويتحرّق من الفراق ويئن أنين السَّقيم.

هذا هو الحب، أما ما نشاهده من تمايل الفتيات للشباب، أو استغلال الشاب لعاطفة الفتاة ليقضي وطره منها ثم يتركها ليبحث عن غيرها فما هذا -والله- بالحب.

ومشكلة الشاب والفتاة -غالباً- أنهما كونا انطباعهما عن الحب من خلال ما يشاهدانه من أفلام عاطفية وما يقرأانه من قصص تدعى بـ ” الرومانسية”، وهي أبعد ما تكون عن العاطفة الراقية، وإنما هي جنس محض، تغري من لم يعرف قيمة الحب ليستغل الآخر باسم الحبّ، من خلال تعجيزه عن التمييز بين عواطفه وأشواق روحه، وبين غرائزه وشهوات جسده من جهة أخرى، وعندها يتردى في درك الشهوانية الحيوانية.

في الماضي… معظم آبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، لم يكن زواجهم مبنياً على الحب، وكانت نِسَبُ الطلاق فيما بينهم قليلة جداً، بل تكاد أن تكون نادرة.

أجرَت جامعة القاهرة دراسة عن الزواج المبني على الحب وحده، والزواج المبني على غير ذلك، فتبيَّن ما يلي:

تنتهي 88% من حالات الزواج الذي يأتي بعد قصة حب بالطلاق، أما الزواج الذي سمَّوه -تقليدياً- فقد حقَّقت 70% من حالاته النجاح كما جاء في الدراسة!، يعني أنّ كل عشر زيجات ينجح سبعة منها، مع أنها من دون حب!!

وتعليل استمرار الزواج -مع كونه من دون حب قَبْله- هو تحلّي الزوجين بالالتزام بتعاليم الدين، وطاعة الزوجة لزوجها، وتخلُّقها بالحياء، وتجمُّلها بالنظافة، والوعي، والحسَب، والجمال؛ لذلك تستمرُّ الحياة الزوجية، ومع استمرارها وديمومتها يتولَّد الحب والوداد.

ختاماً.. لعل في مسلَّماتنا تجاه الحب مشكلة، ولعلنا تأثرنا بضرورة وجوده في الأسرة لرغبتنا أن نعيش تلك العواطف التي قرأنا عنها أو شاهدناها وسمعناها… لكني أرى أن الحب لون جميل إن كان بين الزوجين، لكن هناك ألوان كثيرة أخرى في الحياة الزوجية تغني عنه، كالشعور بالرضا عن البيت، وانعدام المشكلات فيه، والشعور بالتميز على المستوى الأسري بالاختيار الصحيح، والاحترام البيِّن بين الزوجين أمام الناس، واجتماعهما عند القطب الذي تتوجه إليه عاطفتهما مستقبلاً بشكل قسري المتمثل في الولد… وغير ذلك كثير.

نعم، الحب إن كان فهو شيء رائع، لكنه إن لم يكن موجوداً مع توافر التوفيق بين ثنايا المفردات الحياتية فإن غيابه لا يؤثر على بقية ألوان هذه اللوحة الماتعة، فتعالوا نتوقف عن الحديث عن الافتقار العاطفي، ونرسِّخ العكس بأفكار إيجابية وجرعات عاطفية عالية، وليدرب المتزوج نفسه على ممارسة الحب ولو تكلفاً، حتى تتقبله النفس وتتفاعل معه.

ولنحذر من أن نضع خيار الفراق عند الفراغ العاطفي ضمن لائحة الخيارات، بل لنتعامل مع طريق الفراق على أنه طريق مسدود، وسنصنع سعادتنا بأيدينا، لن ننتظرها، لن نفكر بالرجوع أبداً.